ابن ميثم البحراني
164
شرح نهج البلاغة
تعيين لما خلقوا له ووعدوا بالوصول إليه وأنّه لا حايل بينهم وبينه إلَّا الموت . قال بعض الشارحين : وهذا الكلام ممّا يصلح متمسّكا للحكماء في تفسيرهم للجنّة والنار فإنّهم لمّا قالوا : إنّ الجنّة تعود إلى المعارف الإلهيّة ولوازمها ، والنار تعود إلى حبّ الدنيا والميل إلى مشتهياتها . وتمكَّن الهيئات الرديئة في جوهر النفس وعشقها بعد المفارقة لما لا يتمكَّن من العود إليه كمن نقل عن مجاورة معشوقه والالتذاذ به إلى موضع ظلمانيّ شديد الظلمة مع عدم تمكَّنه من العود إليه كما قال تعالى « حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي » ( 1 ) الآية . وكان إدراك لذّة المعارفة التامّة ، وإدراك ألم النار بالمعنى أمرا يتحقّق حال مفارقة هذا البدن . إذ كان الإنسان في عالم الشهادة في إدراكه لما حصل في نفسه وتمكَّن من الهيئات كعضو مفلوج غطَّى خدره على ألمه فإذا أزال الخدر أحسّ بالألم فكذلك النفس بعد الموت تدرك مالها من لذّة أو ألم كما هو لزوال الشواغل البدنيّة عنها . قلت : وهذا الكلام أيضا ظاهر على مذهب المتكلَّمين إذ جاء في الخبر أنّ العبد يكشف له الموت عمّا يستحقّه من جنّة أو نار ثمّ يؤجّل ذلك إلى قيام القيامة الكبرى . وقوله : وإنّ غاية . إلى قوله : المدّة . كنّى بالغاية عن الأجل المعلوم للإنسان ثمّ نبّه على قصره وحقارته بأمرين : أحدهما : كونه تنقصه اللحظة : أي النظرة . وهو ظاهر فإنّ كلّ جزء من الزمان فرصة قد مضى من مدّة الإنسان منقص لها . الثاني : كونه تهدمها الساعة . كنّى بالساعة عن وقت الموت ، ولا شكّ أنّ الآن الَّذي تنقطع فيه علاقة النفس مع البدن غاية لأجل الإنسان . وغاية الشيء هي ما يتعلَّق عندها الشيء فكنّى بالهدم عن ذلك الانقطاع والانتهاء كناية بالمستعار . وظاهر أنّ مدّة هذا شأنها في غاية القصر . وقوله : وإنّ غائبا . إلى قوله : الأوبة . أشار بالغائب إلى الإنسان إذ كانت الدنيا عالم غربته ومحلّ سفره ، ومنزله الحقيقيّ
--> ( 1 ) 23 - 101